
هذا موقع مخصص لكتاب ” أصبحت أنت “ يحمل بُعدًا أدبيًا يخصني، يمنح القراء و الباحثين في سيرتي إضاءة على طفولتي و حياتي ، وآخر تاريخيً وثائقيً يخص أبي يضيئ على تفاصيل قد تعني المؤرخين ، لتطابق مجرى حياته مع تاريخ الحركة الوطنية . يُغطي نصف قرن من تاريخ الجزائر، من خلال مسار مناضل وضعته مصادفات الأحداث في مفاصل تاريخية ، مذ ميلاد “حزب الشعب الجزائري ” في أربعينيات القرن الماضي إلى ما بعد الإستقلال .
أتقاسمه بإنصاف مع أبي .. و أمّي . فهما مفتاح فهم سيرتي و كتاباتي .
كلّ كتاب يُخفي آخر
وأنا أكتب سيرتي في ” أصبحت أنت ” كانت تصادفني تفاصيل كأنني سبق أن كتبتها في “ذاكرة الجسد ” فأعجب لثقتي بأنّ تلك الرواية لم تحدث ، كيف إذن تسللّت ذاكرتي لتفاصيلها ، و تحكًمت في اختيار شخصياتها و أبطلها .
بدءا بخالد بن طوبال ، لماذا عكس المنطق، اخترتُ رجلاً في الستين فقد ذراعه في الحرب، ليكون بطل قصة حب كبيرة ؟
من أين جاءتني هذه الفكرة العجيبة؟ كيف جعلته محبوبا لدى النساء برغم عاهته. ألأن أبي في نفس العمر في عز رجولته، فقد صوابه من دون أن يفقد جاذبيته، وعانى كما خالد بن طوبال من عطب عاطفي؟
كلاهما حمل ذاكرته على جسده، لقد شقيا لإفراطهما في جرعة حبّهما للجزائر ، من دون أن تكون الجزائر أو (حياة) مَعنية بما ألحقته بهما .
كيف تطابق الرجلان في معظم تفاصيلهما. أيكون الطبيب الأجنبي الذي نصح خالد بالرسم ليشفَى من ذكرياته،
هو في الواقع الطبيب الذي نصح أبي بالكتابة كوصفة للتعافي، بالنسبة لرجل شغوف بالأدب و الكتب؟
ولماذا جعلت أقرب صديق لخالد بن طوبال شاعرا فلسطينيا ، بينما زياد في الواقع ، ذلك الفلسطيني الذي أحببت أيام الجامعة ، (وغادر الجزائر ليلتحق بالجبهة الشعبية ) ما كان شاعرا .
هل أردته كذلك لمصادقة أبي للشعر ؟
و كنت أحتاجه لتلك الحادثة الحاسمة التي سيستقيل بسببها خالد من وظيفه كناشر في مؤسسة رسمية و يختار طريق الغربة .
والتي في اللاشعور تخفي قصة أخرى .كما واجه أبي في أمسيتي الشعرية الأولى من أرادوا سلب حقي في التعبير ، و دخل في نقاش عاصف مع الجمهور، رافضا أن يتمّ مصادرة الكلمة الحرة باسم الثورة، قدم خالد استقالته من منصبه كمسئول عن النشر في مؤسسة رسمية، دفاعًا عن ديوان شاعر لم يكن صديقه بعد ، رافضًا دور الرقيب الذي مُهمّته بتر قصائد الشعراء باسم الثورة .


هُمَا
تمنَّى أبي لو عقد قرانه على الحرّيَّة، فقد صادق باكرا فيكتور هيغو و فولتير ، ولكنَّه تزوَّج امرأةً تدعى حوريَّة، تصادق الفتلة و خيوط الذهب و أدوات التطريز، و هي من طرّزت على مدى أشهر ثوب عرسها هذا . اختارتها له أمُّه، سيِّدة بيت، جميلةٌ… توقَّف تعليمها وهي بعدُ على المقاعد الابتدائيَّة ، بأمر من والدها ، عندما عادت يوما من المدرسة و هي تنشد ( المارسييز ) النشيد الوطني الفرنسي المفروض على كل المدارس .
حرف زائد ظن أبي أنه أطاح بحريته ، في الواقع كان فيه نجاته .
فقد فاقته أمي ذكاءً ، رُقيًا ، و صبرًا ، في قيادة مركب لم تسعفه الحياة على قيادته ، للوصول بنا إلى شاطئ الأمان .

هناك أيضا رسائل زياد إلى حياة في ذاكرة الجسد، التي وقع عليها خالد في الحقيبة التي تركها زياد لديه قبل مغادرته إلى الجبهة والتي قرّر خالد بعد صراع مع نفسه نشرها في كتاب، متحاملاً على قلبه، منحازا للشعر لا للغيرة
هل جاءتني الفكرة من علمي بيوميات أبي والرسائل التي كان يكتبها لتلك المرأة فقررت بعد ثلاثة عقود من الزمن كما خالد، أن أنشرها في هذا الكتاب انحيازا لنص شعريّ، لا للمنطق العائلي
« كل حبّ هو سياسيً »
لأنّ ” كلّ حبّ هو سياسي ” حسب مالك حداد، فقد كان حبّ أبي لتلك المرأة اليوغسلافية غير بعيد عن السياسة ، لما كانت تمثله يوغسلافيا لأحرار تلك الحقبة . تمامًا كحبّ زياد الفلسطينيّ لحياة الجزائرية في “ذاكرة الجسد“
وكما تخلّى أبي عن حبه الكبير، من أجل قضية أكبر، اختار زياد أن يُضحي بحب حياته، ليلتحق بالثورة خشية أن ينسيه الاستقرار قضيته الأولى .
في الواقع، تلك الفتاة التي تخلّى عنها زياد كانت أنا، آن لي البوح بذلك، أمّا “زياد” ، الذي يحمل خارج الرواية اسمًا آخر ما عدت بعد مُضيّ نصف قرن أتذكّره، فقد عاد إلى الذاكرة فجأة، حين بلغني سنة 2015 خبر موته!
هي قصة تستحق أن تروى على حدة، فقد مات زياد الحقيقي هذه المرة دون ضجيج خارج ذاكرة الجسد !
لا في فلسطين كما تمنى، بل بمحاذاتها ، من دون أن يحاول على مدى الخمسة عقود التي باعدتنا، الاتصال بي، برغم كونه قرأ الرواية كما علمت .
يا للشهامة، لقد ناضل (زياد) ضدّ نفسه في الحياة كما في الرواية، وأبى أن يُشهر حبي له أو يُتاجر به ،
فكما أبي،كان الحبّ لديه قضيّة ، ذلك أنّ من أحبوني حقا ، ماتوا ولم يبوحوا بذلك . كانت الشهامة لدّيهم شرطا عاطفيًا ، أمّا المُدّعين والمُتبجحين، فهم يقدّمون الدليل بأنّ مثلهم ليس أهلاً لحبّ امرأة،
هكذا تكون سيرة أبي قد لاحقتني في تفاصيلها التي نسيت، وتلك التي تناسيت و تشبثت بي كتابا بعد آخر، وغدت مفتاح كلّ كتاباتي.
لكل هذا، ارتأيت وضع هذا الموقع المخصص لكتاب ” أصبحت أنت » ليكون في متناول الباحثين والطلبة المعنيّين بأعمالي، كما لإضافة توضيحات وتفاصيل شخصية جديدة، تؤكد ما جاء في الكتاب، وتجيب عن فضول قرائي .
السيرة الذاتية تعيش بعد أصحابها، لذا تترك للأخرين مسؤولية روايتها ولذا هي لا تفضح الموتى، بقدر ما تشي بأخلاق الرواة من الأحياء.علينا أن نتحدث عن الغائبين بكثير من الحياء، أيّا كانت قرابتنا بهم، فالحياء هنا ضرب من الوفاء، لمن لم يعودوا هنا ليصححونا.أتصوّر أمّي تقرأ هذا الكتاب، ما كانت لتصححني، بل ربما مزقته، فهي كنساء جيلها مكابرة، تحتفظ عميقا بأسرارها الموجعة. وحده الحبر فضّاح، وما كان لها علاقة به. لو كانت تتقن الكتابة، لتفوّقت عليّ، أجزم بذلك، فقد تفوّقت تقريبا في كل شيء إلاّ في الغفران. امرأة من برج الجدي لا تغفر عندما يتعلّق الأمر بكرامتها. أبي رجل من برج الحوت، أقرب الأبراج لبرج الحمل، لذا هو مثلي عاطفيّ شاعريّ، لا علاقة له بالأرقام ولا بالتخطيط للمستقبل، قضيته الكبرى أنسته قضاياه اليومية الصغرى. لعلّي لم أُنصف أمي، فهي من أنقذتنا من طيبته وعزة نفسه، فقد كانت امرأة استثنائية حقا في كلّ شيء، أدهشت كل من عرفها، وأدهشتنا أكثر بعد موتها نحن أبناؤها، بحدسها الذي لم يخطئ في معرفة الأشخاص، والتنبؤ بما سيقومون به لاحقا، أمر أتفوّق شخصيا في الفشل فيه. لأن ليس بإمكان الموتى أن يأخذوا معهم كل ّ أسرارهم، تولد الروايات بعد النهايات. ولعل حياة أبي ترويها نيابةً عنه، حقيبة اليد الجلدية التي رافقت أسفاره ، وتركها كعادته أسفل خزانته، بعد أن جمع فيها ما ظنّه مُهمًا، وما كان يختصر حياته، في مجموعة وثائق ومراسلات ودفاتر وجرائد احتفظ بها أكثر من نصف قرن بعناية مذهلة . هذا ما يفعله فائقو التنظيم عندما يستشعرون الرحيل. يبادرون بترتيب حقيبتهم الأخيرة. فهم لا يحتملون الفوضى حتى عند الرحيل ( تماما كما فعل نزار رحمه الله)

شرفة شقتنا
كانت شرفتنا تمتد طويلا على جهتين مطوّقة البناية، على إحداها ، كان البحر في مرمى بصرنا. ترسو بواخر ضخمة في حضنه نهارا ، و ييتلألأ خليج الجزائر مساءً مع كل حركة للسفن والمراكب في الميناء.
كنا في زمن البواخر .
هذا المنظر الخلاب تقدّمه لنا شرفتنا في الطابق الخامس ، و تحتنا في الطابق الرابع كانت مدام كوزيت ( زوجة كولونيل سابق ) تتساءل كل يوم و هي ترى البواخر الراسية ، هل عليها أن تحزم حقائبها و تغادر مع ملايين الفرنسيين المغادرين لفرنسا .. أم تبقى في بلاد لم تقتنع بعد بأنها لم تعد بلادها !