
أنجبتني أمّي مرَّةً، وأنجبني الحبُّ مرارًا. محكومةٌ بالحلم المؤبَّد مذ أسميتَني أحلام. لماذا اخترتَ لي اسمًا جمعًا إن كنت تعلم أنَّ قدري أن أتشظّى؟
ولكن هل أنت من اخترته أم الاسم يختار حامله؟ في أثناء تنقّلك بين المعتقلات والمنافي، وبينما كان جيلك في العالم العربيِّ يسمِّي بناته نضال وانتصار وصامدة وحتى اعتقال، من أين جئتَ باسمٍ خارجٍ عن قاموس ذلك الزَّمان؟
ألكي أحرس أحلامك؟ أم لأكون لك الحلم؟
ما استطعتُ يومًا تغيير قدري. وُلدت ذات نيسانٍ، داخل حزام الزلازل العاطفية. لا أعرف في أيِّ زمنٍ جيولوجيٍّ تكوَّنتْ أنوثتي، ولا أيَّ ريحٍ حملت إليَّ بذور الغضب. كنت دومًا حبلى بقضيةٍ ما، حتّى لكأنّ عمري يُقاس بخيبات العرب.
أنتمي إلى فصيلة العشَّاق الذين كلَّما أحَبُّوا، أحرقوا خلفهم قوارب العودة إلى مرافئ العقل.
امرأةٌ من برج الحمل، أندلسيّة الأصول، تنحدر من سلالة ولَّادة بنت المستكفي وابن زيدون، وتُقاسم نزار قبَّاني برجه ومزاجه النَّاريَّ. حيث تمرُّ يشتعل بمرورها فتيل الشِّعر.

( تونس 1953)
كان عمري أربعة أشهر. تحرسني صورة أبي، و خلخالي الذهبي الذي أهداني إيّاه خالي عند مولدي. حافية القدمين، واصلت المشي بخلخالي الصغير في كلّ كتبي. كما توضع الخواتم في أرجل الطيور ليُستدلّ بها على مصدرها، حيثما حططتُ كان خلخالي يشي بموطني.


في كل أعماري رافقني خلخالي ، لا أدري كيف و أنا رضيعة خطر ببال خالي أن يهديني إياه .من قبل حتى أن أخطو خطوة . لكأنه حَبلي السريّ ، ظلّ يشدني إلى ذاكرة لم أعشها . أمشي به حتى في مخيّلتي .
حين كبرت أورثتني أمي خلخالها ، و وحدي كنت أسمع وقع رنّته ، عندما تمشي قسنطينة بخلخالها بين قلبي وذاكرتي .
” قسنطينيّة الأثواب مهلاً ما هكذا تمرُّ القصائد على عجل “
قال ذات يوم خالد . . لحياة


في كلَ تكريم رافقتني قسنطينة
و ذاكرة أمي
( جائزة المرأة العربية الرائدة )
لندن 2015

وُلدتُ على يد أوَّل امرأةٍ عربيةٍ تتصدَّر صورتها ورقةً نقديَّة!
أنت المفتون بالنساء الرائدات، أتُراك أصررتَ على أن أولد على يد الدكتورة توحيدة بن الشِّيخ، لتربط حبلي السِّرِّيَّ بقدَر امرأةٍ كانت كاسحة الألغام، شقَّت في زمانها الطريق لكلِّ نساء المغرب
قبل قرن، سنة 1920، كانت أوَّل فتاةٍ مسلمةٍ تحصل على شهادة البكالوريا في شمال إفريقيا. الأولى التي كسرت أصفاد التّقاليد في ثلاثينيّات القرن المنصرم، وسافرت لدراسة الطِّبِّ في باريس وعادت منها طبيبةً .

هي ذي توحيدة بن الشِّيخ، أراها على ورقة العشرة دنانير التونسية. أتأمَّل الرضيع الذي يجاورها ملفوفًا في قماطه. لعلَّه أنا. كنت أصغر من أن أشكرها، فلا أنا كنت أعرف من تكون، ولا هي كانت تدري ماذا سأغدو.
لفرط ما سمعت أمي تردّد اسمها على مدى عقود خلتها صديقتها .
في الواقع، كانت «توحيدة» صديقة النساء، مثلما كانت صديقة الفقراء والمناضلين والزعماء. كانت أمَّ تونس الفتيّة الحاضنة لأجيال الحرية، فكيف لا تكون لك قرابة بها.

أخلفتُ موعدي معها. كانت لا تزال على قيد الحياة حين زرت تونس، ولم ألتقِها. كنت سأضمُّها طويلًا وأسألها عن أمِّي، هل تعذَّبت يوم أنجبتني؟ وعن «غشاء الجنين»، ذلك الكيس الذي ولدت داخله، ويقال إنّه حالة نادرة، وإنّ القابلات يحتفظن به لأنّه يجلب الحظ، كنت سأحتاجه لأختبأ داخله كلّما صغرت أمام الألم. عن فرحتكَ الغامرة يوم وُلدت… عن أوَّل كلمةٍ قلتَها حين علمت أنّك رُزقت ببنت… وهل أهديتها كُتبًا، كعادتك كلَّما التقيتَ من يشبهك؟ ولِمَ لم تحاول إقناعك بأنَّ «أحلام» اسمٌ أكبر من قدرة طفلةٍ على حمله.

على مدى طفولتي، تكون قد وزنتْني مرارًا لتتأكَّد من نُمُوِّي الطبيعيِّ، ما درَت بما سيحمله جسدي الصَّغير لاحقًا من أحزان العروبة. الأحزان حمولةٌ عربيّةٌ كبرت معي، ولا هي توقَّعت أنَّ قلبي الصَّغير سيسع ما شاء من قصص الحبِّ، التي ستتدفّق دموعها في الكتب، وأنّه في أكثر الأحيان سيَخفق خارج المنطق. بل، كيف لها أن تعرف أنَّه لا جدوى من تسجيل شهادة ميلادي، لأنَّ الحبَّ كثيرًا ما سيزوِّرها!

جئتُ إلى العالم، في عام اختراع قلم الحبر الجافِّ BIC، القلم الذي أحدث ثورةً في الكتابة وبيع منه إلى اليوم 100 مليار قلم.
إشارةٌ سماويّةٌ تحكَّمت في قدري.
قبلها كان العالم يستعمل أقلامًا تُملأ بالحبر السائل الذي ينفد سريعًا، ويسيل على الأوراق، فيحتاج إلى ورقٍ مجفِّف. لذا كان شعار القلم الجافِّ: «يكتب كأوَّل مرَّة… كلَّ مرَّة».
لكأنّني من وضع الإعلان، أنا التي مذ بدأت الكتابة والحبّ يكتبني كلّ مرَّةٍ كأوَّل مرَّة، وما من كتابٍ كتبته إلّا وكان ذلك بخوف الكتاب الأوَّل، وذعر الكتاب الأخير.



بطاقة شخصية خاصة بالعائلات الكبيرة عددا ، تمنحهم تخفيضا في تسعيرة التنقّل بالقطار . تنتهي صلاحيتها في 1964
من الأرجح أن يكون عمري في هذه الصورة 10 سنوات ، و أن يكون أبي قد أصدر لنا هذه البطاقات في تونس سنة 1962 ، لنسافر بها غداة الإستقلال إلى الجزائر .
(لم نستعملها .. عثرنا عليها بين أوراق أبي .)

صغيرةً آمنتُ بأنَّ حياة المبدعين هي نَصُّهم الأجمل. من ليس في حياته ما يبهرني لن تبهرني كتاباته. بعضهم يوقِّع حياته كما لو كانت قصيدة، وبعضهم تُوقع حياتُه بأشعاره وتتجنّى عليها. بإمكان حياةٍ باهتةٍ لا جنون فيها أن تجرِّد الشَّاعر من تاج الشِّعر، وفي المقابل بإمكان أناسٍ عاديِّين أن يحوِّلوا سيرة حياتهم إلى أسطورة بأقدارٍ ساحرة.
في السَّادسة عشرة بدأتُ بجعل حياتي حالةً شاعريَّة… لاحقًا أردتها أن تكون ملحمةً شعريَّة.

كان ( سيدي عزالدين ) الأقرب إلى قلبي. في الواقع، لم يكن لنا قريبٌ سواه. أتت مجازر 8 ماي 1945 و الحروب و الأوبئة التي تلتها على شجرة عائلتنا. لم ينجُ سوى غصنٌ صغيرٌ تعلَّقنا به وتعلَّق بنا. كان مزيجًا من الطيبة والهيبة، صقله اليتم والكفاح المسلَّح. كلَّما كان يعود من جبال الأوراس في إجازةٍ قصيرة، كان يشتري لي هديَّةً. بسببه وقعت في حبّ الأوراس الذي كان يتردّد اسمه في بيتنا، كما لو كان ذلك الجبل يقيم معنا.


كانت الحكومة الجزائرية المؤقَّتة، ببعد نظرٍ سياسيٍّ، قد ارتأت في السّنوات الأخيرة للثّورة، تحويل الجرحى من المجاهدين المتعلّمين، إلى ساحة أخرى للمعركة، استعدادًا لما بعد الاستقلال. فأمّنت لهم عدَّة منحٍ لبعثاتٍ دراسيَّةٍ في كلِّ المجالات في الخارج، وفق مستواهم الدِّراسيِّ واهتماماتهم، هكذا أُرسل سيدي عزالدين للمدرسة العسكرية في سوريا و منها للإتحاد السوفياتي الذي عاد منه ظابطا في الطيران الحربي .

1958 أيام حرب التحرير. والدي و أمي يزورا سيدي عز الدين في مستشفى شارل نيكول في تونس حيث نُقل جريحا من الجبهة إثر تلقىيه رصاصة في وجهه . برفقتهما صالح قوجيل قائده العسكري في الأوراس والذي أصبح لاحقا رئيس مجلس الأمّة الجزائري .

سنة 1957 في العشرين من عمرها لبّت خالتي بديعة كمئات الطلبة ، نداء اتحاد الطلبة الجزائريين الذي أطلقه في 18 ماي 1956 لحث الطلبة على الإلتحاق بالجبهة ، والإنخراط في الكفاح المسلّح تحت شعار شهير ” شهاداتنا لن تجعل جثاميننا أفضل ” . و سلكت طريق أخيها عزالدين ، ملتحقة بالثورة المسلّحة بدل الجامعة .
( كان يترأس آنذاك إتحاد الطلبة الجزائريين أحمد طالب الإبراهيمي )
بعد سنتين أرسلَتها جبهة التحرير إلى أمريكا للدراسة ضمن بعثة تونسية. (ما كان الأمر يومها يحتاج إلى واسطة، كانت الغيرة على مستقبل الجزائر تقود قرارات الجميع )
هنا صورةٌ شهيرةٌ لها، تظهر في البرامج الوثائقيَّة ، وهي في زيٍّ عسكريٍّ حاملةً بندقيَّة.
الدكتوراه


في الثالثة والعشرين من العمر، وبينما كنت أعتقد بأنّ الأبواب كانت تُسدّ حولي بإحكام،كان القدر يدير أمري، فاتحًا لي في الجدار أبوابًا.
حصلت على موافقة البروفيسور جاك بيرك لتقديم أطروحتي في علم الاجتماع تحت إشرافه في السوربون. كنت أصغر طلبته، وآخر دفعة (مع زوجي لاحقًا) من بين قلّة اختارها بعناية قبل تقاعده. شفعت لي عنده شهرتي. شهرتي نفسها التي كانت في وطني سبب محاربتي. بل إنّه إعجابًا ببحثي الأكاديمي كتب لاحقًا مقدّمة كتابي بالفرنسية.


ثمّة الرّجال الرّجال، والرّجال الأنذال. فالرجولة مروءة وُجدت لتذود لا لتؤذي.
كان يمكن لقدري الأدبي أن ينتهي في تلك الليلة، وأن أغادر القاعة وقد انطفأت شعلتي الصغيرة تلك، لولا أنّ أبي حماها بين كفيه. كنت شمعة تتحدى الريح، صبية عزلاء في مواجهة مدينة ذكورية، وما كان يمكن لأحد سواه أن ينصرني، فقد كانت المعركة في واقعها رجاليّة. لم يُسكتني أبي مجاملة لذكور المدينة، ولا مزّق أوراقي وقصّ جناحيَّ في حضرتهم، لكي يعترفوا له بالفحولة، وصون شرف الوطن والعائلة، بل خبّأني تحت جناحه، وانبرى بسلطة الأبوة يرد على كلّ من يهاجمني.
أدركت يومها، أنّه لا يمكن لامرأة أن تواجه المجتمع وحدها، أو تخوض معركة من دون أن يكون من رجل سند لها.
حين انتهت الأمسية، اتّجه أبي نحوي، قبّلني وقال بالفرنسية بلهجة آمرة «عودي إلى البيت!» ثم أوصى فاضل، زميل كانت لنا علاقة بعائلته، أن يرافقني كما كان يفعل كلّما احتجته.
الدمعة التي حبسها أبي ما زلت أراها تلمع في عينيه. ما كان سهلًا عليه أن يراني أعود ليلًا من دونه. والأصعب أن يمضي مرفوقًا بممرّضيْن، عائدًا إلى المستشفى بخطوة واثقة تخفي انكسارًا داخليًّا.
أمام تلك القاعة افترقت طرقاتنا. أدركت أنّه جاء ليجتاز بي أصعب منعطف في حياتي، وأنّ هناك طريقًا عليّ أن أمشيه بعد الآن وحدي.
لم أطارد الضّوء يومًا، هو الذي اشتهاني.
دخلت تلك القاعة أحلام… وغادرتها أحلام مستغانمي.

يا لها من ضربة حظ أهداني إياها الأدب !
سنة 1984عيّن سي عبد الحميد مهري سفيرا للجزائر في باريس ، حيث سيبقى لأربعة سنوات ، هي السنوات التي كتبت فيها ذاكرة الجسد بتشجيع و إصرار منه ( أنهيتها مع مغادرته في تموز 1988 كما هو موثّق في آخر صفحة من الرواية )
كان سي عبد الحميد مهري ابن قسنطينة و رفيق نضال أبي ، بل أقرب رفاقه إليه ، رجل أجمع الجزائريون على حبه لنزاهته و وطنيته ، جاءت به الأقدار الجميلة لينوب عن أبي في إسناد غصني، الذي كان في مهبّ الغربة ، كي لا ينحني لأحد،
على مدى سنوات عمله في باريس ،كان دائم التواصل معي ، يحدثني عن حبه لقسنطينة و عن ذكرياته مع أبي ، أمدّني بالشّغف الذي كنت أحتاجه، وهو يواصل بعد أبي الحديث عن قسنطينة، حتى أصبحت حبنا المشترك . روى لي عن أبي ما مضى دون أن يرويه لي.
قال: «عندما كان يمرُّ سي الشريف بمقهى النجمة في قسنطينة، كان روَّاد المقهى يهتفون: يحيا مستغانمي»،
و قال ؛
“احملي هذا الاسم بكبرياء أكبر.. ليس بالضرورة بغرور، ولكن بوعي عميق أنَّك أكثر من امرأة. أنت وطن بأكمله.. هل تعين هذا؟ ليس من حقِّ الرموز أن تتهشّم.. هذا زمن حقير، إذا لم ننحَز فيه إلى القيم فسنجد أنفسنا في خانة القاذورات والمزابل. لا تنحازي لشيء سوى المبادئ.. لا تجاملي أحدًا سوى ضميرك.. لأنَّك في النهاية لا تعيشين مع سواه!
سألته :
– أهذه وصيّتك لي.. فقط؟!
قال :
– لا تستهيني بها.. إنَّ تطبيقها ليس سهلًا كما تتوهّمين. ستكتشفين ذلك بنفسك ذات يوم. “
وهكذا بقيت واقفةً، رافضةً الجلوس على المبادئ، وفاءً لوصيّته و لأناسٍ لا أعرفهم هتفوا يومًا لأبي .
معظم ما قاله لي سي عبد الحميد مهري رحمه الله موثّق في ذاكرة الجسد ، على لسان خالد بن طوبال .
كان سي عبد الحميد مهري طائرا حرا من سلالة نادرة .
وعندما رحل إبراهيم حشّاني، وعلي يحيى عبد النور، ورفاق أبي جميعًا، وانتهى زمن الرجال النسور، غدوتُ طائرًا غريبًا، أكبر من أن يجد له بين العصافير رفيقًا .


لن أعرف يومًا الحقيقة. لكن بين الفينة والأخرى كان ينتابني فضولٌ روائي لاكتشاف ما فاتني من فصول قصّتك تلك.
وحدث أن راودتني فكرة مجنونة.
تمنّيت البحث عن تلك المرأة، أو لو أنّها من تجدني أثناء بحثها يومًا عن اسمك، تمامًا كما عثر عليّ قدامى تلاميذك في تونس بفضل الفيسبوك، وطلبوا أن أحضر في أقرب وقت، لإطلاق اسمك على الصفّ الذي كنت تدرّس فيه على مدى سنوات في مدرسة الزعيم، فأغلبهم كان قد تجاوز السبعين من العمر، وبعضهم كان قد رحل.
هل كنت تتوقع أن أزور يومًا مدرستك؟ أن أجتاز ذلك الباب الذي طالما اصطفّ أمامه تلاميذك على مرآى منك، قبل دخولهم الصف، وتخرَّج منه البعض على أيام بورقيبة سياسيين وكوادر في الدولة؟
قيل لي أنّ لا شيء تغيّر في أثاث الصف. كان إحساسًا غريبًا، أن أجلس على مقعدك أمام تلاميذ لا يفهمون أن أكون أخذتُ مكان معلّمهم، لأرى ما كنت تراه من مكانك على مدى سنوات. تذكّرت مشهدًا رسخ في ذاكرتي من فيلم «حلقة الشعراء الذين اختفوا» (Dead Poet Society).
كان فيك شيء من أطوار بطل ذلك الفيلم، كما حين طلب من تلاميذه أن يمزقوا مقدّمة كتاب عن الشعر، لأنّ تعريف الشعر مهمة الشعراء لا النقاد، وأن يتمردوا على مواقعهم، ويصعدوا على الطاولات ليروا العالم بكبرياء من فوق، حتى لا يعتادوا الانحناء، ومواصلة الانكباب على مكاتبهم الصغيرة مدى العمر.
أحد تلاميذك القدامى، وكان ضابطًا متقاعدًا في الأمن، عندما حدثته عن انزعاجي من مخبرين في زيّ مدني كانوا يلاحقونني في كلّ تنقلاتي، فاجأني بانتقاده للقبضة البوليسية لنظام بن علي، متوقّعًا ألّا يستمر الوضع على هذا النحو. خفت عليه من شجاعته، أجابني «تعلّمت من سِيدي ألّا أقبل الظلم». كان يملك شجاعة آخر العمر، وعرفان المسنّين، وما زال يسمّيك «سِيدي» كعادة التلاميذ في ذلك الزمن في مناداة معلّمهم. لعلّه أحد الذين أقنعتهم بالصعود فوق الطاولة، وتمامًا كما في الفيلم، كان يمكن لدروسك أن تتسبّب في هلاكه.
لا شيء تغيّر في صفّك ذاك منذ خمسينيات القرن الماضي. لذا، كما كنت تفعل، كتبتُ بالطباشير على السبّورة تاريخ اليوم، وعام 1958 الذي التحقتَ فيه بالمدرسة، غير أنّي عجزتُ عن وضع عنوان لدرس ذلك اليوم.
نظرتُ من النافذة التي قيل لي إنّك كنت تنظر منها طويلًا أثناء إلقاء الإملاء، وحاولت أن أتصوّر أين كان يمضي تفكيرك وقتها بين جملة وأخرى. ذهبتُ بعيدًا في خيالي.
في صفّك، ما كنت ابنتك. كنت روائية.








عام 1972. استعراض للشبيبة الجزائرية بمناسبة الذكرى العاشرة للاستقلال. كان حدثًا وطنيًا مؤثرًا بالنسبة لي، أخذته بجدية فائقة، حتى أنني شعرت أنني أرتدي زيا عسكريا يومها!