
أنجبتني أمّي مرَّةً، وأنجبني الحبُّ مرارًا. محكومةٌ بالحلم المؤبَّد مذ أسميتَني أحلام. لماذا اخترتَ لي اسمًا جمعًا إن كنت تعلم أنَّ قدري أن أتشظّى؟
ولكن هل أنت من اخترته أم الاسم يختار حامله؟ في أثناء تنقّلك بين المعتقلات والمنافي، وبينما كان جيلك في العالم العربيِّ يسمِّي بناته نضال وانتصار وصامدة وحتى اعتقال، من أين جئتَ باسمٍ خارجٍ عن قاموس ذلك الزَّمان؟
ألكي أحرس أحلامك؟ أم لأكون لك الحلم؟
ما استطعتُ يومًا تغيير قدري. وُلدت ذات نيسانٍ، داخل حزام الزلازل العاطفية. لا أعرف في أيِّ زمنٍ جيولوجيٍّ تكوَّنتْ أنوثتي، ولا أيَّ ريحٍ حملت إليَّ بذور الغضب. كنت دومًا حبلى بقضيةٍ ما، حتّى لكأنّ عمري يُقاس بخيبات العرب.
أنتمي إلى فصيلة العشَّاق الذين كلَّما أحَبُّوا، أحرقوا خلفهم قوارب العودة إلى مرافئ العقل.
امرأةٌ من برج الحمل، أندلسيّة الأصول، تنحدر من سلالة ولَّادة بنت المستكفي وابن زيدون، وتُقاسم نزار قبَّاني برجه ومزاجه النَّاريَّ. حيث تمرُّ يشتعل بمرورها فتيل الشِّعر.

كان عمري أربعة أشهر. تحرسني صورة أبي، و خلخالي الذهبي الذي أهداني إيّاه خالي عند مولدي. حافية القدمين، واصلت المشي بخلخالي الصغير في كلّ كتبي. كما توضع الخواتم في أرجل الطيور ليُستدلّ بها على مصدرها، حيثما حططتُ كان خلخالي يشي بموطني.



مع خالي عز الدّين قبل أن يتوقف عن صعود الدراجة ويصعد إلى الجبال.

أوّل إرهاصات النجاح، الوقوع في حبّ التحدّي. تلك الثّقة بالنّفس التي تتجاوز طاقتك، وتوشوشك «ستنجح» وتبقيك مشتعلًا بالثّأر الجميل، لأنّ ثمّة من استخفّ بك، وأهان دمعك، وأراد أن يراك أرضًا، واثقًا بأنّك خاسر أيًّا كان خيارك.
وقودي كان تصوّري فرحة أبي وقهر مديرتي أمام خبر نجاحي ، هي التي طردتني من الثانوية قبل امتحانات الباكاللوريا بشهرين. ..
لننجح نحتاج أيضًا إلى أعداء. ❗️
الدكتوراه



في الثالثة والعشرين من العمر، وبينما كنت أعتقد بأنّ الأبواب كانت تُسدّ حولي بإحكام،كان القدر يدير أمري، فاتحًا لي في الجدار أبوابًا.
حصلت على موافقة البروفيسور جاك بيرك لتقديم أطروحتي في علم الاجتماع تحت إشرافه في السوربون. كنت أصغر طلبته، وآخر دفعة (مع زوجي لاحقًا) من بين قلّة اختارها بعناية قبل تقاعده. شفعت لي عنده شهرتي. شهرتي نفسها التي كانت في وطني سبب محاربتي. بل إنّه إعجابًا ببحثي الأكاديمي كتب لاحقًا مقدّمة كتابي بالفرنسية.


ثمّة الرّجال الرّجال، والرّجال الأنذال. فالرجولة مروءة وُجدت لتذود لا لتؤذي.
كان يمكن لقدري الأدبي أن ينتهي في تلك الليلة، وأن أغادر القاعة وقد انطفأت شعلتي الصغيرة تلك، لولا أنّ أبي حماها بين كفيه. كنت شمعة تتحدى الريح، صبية عزلاء في مواجهة مدينة ذكورية، وما كان يمكن لأحد سواه أن ينصرني، فقد كانت المعركة في واقعها رجاليّة. لم يُسكتني أبي مجاملة لذكور المدينة، ولا مزّق أوراقي وقصّ جناحيَّ في حضرتهم، لكي يعترفوا له بالفحولة، وصون شرف الوطن والعائلة، بل خبّأني تحت جناحه، وانبرى بسلطة الأبوة يرد على كلّ من يهاجمني.
أدركت يومها، أنّه لا يمكن لامرأة أن تواجه المجتمع وحدها، أو تخوض معركة من دون أن يكون من رجل سند لها.
حين انتهت الأمسية، اتّجه أبي نحوي، قبّلني وقال بالفرنسية بلهجة آمرة «عودي إلى البيت!» ثم أوصى فاضل، زميل كانت لنا علاقة بعائلته، أن يرافقني كما كان يفعل كلّما احتجته.
الدمعة التي حبسها أبي ما زلت أراها تلمع في عينيه. ما كان سهلًا عليه أن يراني أعود ليلًا من دونه. والأصعب أن يمضي مرفوقًا بممرّضيْن، عائدًا إلى المستشفى بخطوة واثقة تخفي انكسارًا داخليًّا.
أمام تلك القاعة افترقت طرقاتنا. أدركت أنّه جاء ليجتاز بي أصعب منعطف في حياتي، وأنّ هناك طريقًا عليّ أن أمشيه بعد الآن وحدي.
لم أطارد الضّوء يومًا، هو الذي اشتهاني.
دخلت تلك القاعة أحلام… وغادرتها أحلام مستغانمي.
لن أعرف يومًا الحقيقة. لكن بين الفينة والأخرى كان ينتابني فضولٌ روائي لاكتشاف ما فاتني من فصول قصّتك تلك.
وحدث أن راودتني فكرة مجنونة.
تمنّيت البحث عن تلك المرأة، أو لو أنّها من تجدني أثناء بحثها يومًا عن اسمك، تمامًا كما عثر عليّ قدامى تلاميذك في تونس بفضل الفيسبوك، وطلبوا أن أحضر في أقرب وقت، لإطلاق اسمك على الصفّ الذي كنت تدرّس فيه على مدى سنوات في مدرسة الزعيم، فأغلبهم كان قد تجاوز السبعين من العمر، وبعضهم كان قد رحل.
هل كنت تتوقع أن أزور يومًا مدرستك؟ أن أجتاز ذلك الباب الذي طالما اصطفّ أمامه تلاميذك على مرآى منك، قبل دخولهم الصف، وتخرَّج منه البعض على أيام بورقيبة سياسيين وكوادر في الدولة؟
قيل لي أنّ لا شيء تغيّر في أثاث الصف. كان إحساسًا غريبًا، أن أجلس على مقعدك أمام تلاميذ لا يفهمون أن أكون أخذتُ مكان معلّمهم، لأرى ما كنت تراه من مكانك على مدى سنوات. تذكّرت مشهدًا رسخ في ذاكرتي من فيلم «حلقة الشعراء الذين اختفوا» (Dead Poet Society).
كان فيك شيء من أطوار بطل ذلك الفيلم، كما حين طلب من تلاميذه أن يمزقوا مقدّمة كتاب عن الشعر، لأنّ تعريف الشعر مهمة الشعراء لا النقاد، وأن يتمردوا على مواقعهم، ويصعدوا على الطاولات ليروا العالم بكبرياء من فوق، حتى لا يعتادوا الانحناء، ومواصلة الانكباب على مكاتبهم الصغيرة مدى العمر.
أحد تلاميذك القدامى، وكان ضابطًا متقاعدًا في الأمن، عندما حدثته عن انزعاجي من مخبرين في زيّ مدني كانوا يلاحقونني في كلّ تنقلاتي، فاجأني بانتقاده للقبضة البوليسية لنظام بن علي، متوقّعًا ألّا يستمر الوضع على هذا النحو. خفت عليه من شجاعته، أجابني «تعلّمت من سِيدي ألّا أقبل الظلم». كان يملك شجاعة آخر العمر، وعرفان المسنّين، وما زال يسمّيك «سِيدي» كعادة التلاميذ في ذلك الزمن في مناداة معلّمهم. لعلّه أحد الذين أقنعتهم بالصعود فوق الطاولة، وتمامًا كما في الفيلم، كان يمكن لدروسك أن تتسبّب في هلاكه.
لا شيء تغيّر في صفّك ذاك منذ خمسينيات القرن الماضي. لذا، كما كنت تفعل، كتبتُ بالطباشير على السبّورة تاريخ اليوم، وعام 1958 الذي التحقتَ فيه بالمدرسة، غير أنّي عجزتُ عن وضع عنوان لدرس ذلك اليوم.
نظرتُ من النافذة التي قيل لي إنّك كنت تنظر منها طويلًا أثناء إلقاء الإملاء، وحاولت أن أتصوّر أين كان يمضي تفكيرك وقتها بين جملة وأخرى. ذهبتُ بعيدًا في خيالي.
في صفّك، ما كنت ابنتك. كنت روائية.





