
أمّي، أهديك هذا الكتاب، مطمئنّةً أنّك لن تقرئيه، ولن تحاسبيني عمّا جاء فيه، اعتبريه هديّةً متأخّرةً من أبي، فلا تواصلي معاتبته (هناك). برغم كلّ شيء، لقد أحبّك.
هي القسنطينية، أنجبتها خلطةٌ عطريةٌ. فهي ابنة مدينة اعتادت كلّ ربيع إقامة كرنفال احتفالي، ينطلق في موكب بهيج من قصر أحمد باي، تتقدّمه عربات مغطاة بالورود، وفرق موسيقية تقليدية، إعلانًا عن بدء موسم تقطير الورد والزّهر في البيوت، ضمن طقوس وتقاليد عريقة تتوارثها القسنطينيات، فتعبق لأيّام أزقّة قسنطينة وبيوتها بالعطور
كنت كلَّما رأيت أمّي غارقةً في صمتها، منهمكةً أمام ماكينتها في خياطة شيءٍ ما، أعرف أنَّ صوت الماكينة هو صوتها الدَّاخلي، وأنَّها في كلِّ دعسةٍ على دوَّاسة الماكينة تدوس على قلبها لتُسكت صرخته، فأختلق أحاديث مسلِّيةً وأخبارًا جميلةً، عسى أن أغيِّر مزاجها وأشغل فكرها بأمرٍ آخر.
اعتادت أمّي الثَّأر لكرامتها بالتَّميُّز. فالزوجة القويّة تتجدّد عندما تأتيها الطعنة، وتخفي بالتألّق جرحها . لم يكن في متناولها سوى ماكينة الخياطة، فخاضت برفقتها كلَّ معاركها، في مواجهة الألم، ومواجهة الحاجة، ولترويض أحلامها.
كما الشِّعر بالنسبة لك، كانت الخياطة ملاذ أمي ، ووسيلةً تُثبت بها تفوُّقها على الأخريات في ذوقها وأناقتها. كنت أرافقها إلى محلِّ لوازم الخياطة، وأراها تختار أزرارًا لأثوابنا كما لو كانت تختار قافيةً لقصيدة، فلم يحدث أن وضعت زرًّا عاديًّا لثوب. تُفاضل طويلًا بين أنواع الأقمشة ورسوم الدَّانتيل المختلفة، وتتردَّد بين درجات الألوان وبين القطيفة والسَّاتان لتطريز ڤندورتها وترصيعها بالأحجار. سيِّدة التَّفاصيل الجميلة المبهرة، لكأنَّها توقِّع بها كلَّ قماشٍ يقع في يدها. على أيِّ بحور الشِّعر كانت تخيط أحلامها؟ وتشكُّ الدبابيس في ثياب أفراحها، وهي تدندن أغنيةً؟ وكيف لم تستطع أن تحمي بكشتبانٍ قلبَها، كما كانت تحمي إصبعها بذلك الطَّربوش الحديديّ من وخز الإبر؟

تونس 1952
عندما وُلدت، سأل أبي أمّي ماذا تريد هدية، فطلبَت هذا الشال من الفروالذي كان على الموضة. في طفولتي،كنت أفرح عندما تخرجه من الخزانة ملفوفًا بعنايةوألامسه طويلًا. حين توفّيَت، التقطت له صورة في غرفتها وأخذته معي. إنّ عمره من عمري.

صوتها الداخلي.

السرير وأتحاور معه تمنّيت لو أنّني أشبه أمّي في تميّزها في كلّ شؤونها النسائية، لكنّها هي نفسها كانت تقول عني «النار تلد الرماد» فقد سحبني أبي إلى عالمه وجعل هاجسي الأدب

يا لتلك المكتبة!
ما تزال تضمُّ كتبًا عجيبةً في أحجامها وتنوُّعها، بدءًا بسلسلة قواميس تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، بغلافها الأخضر الزَّيتيِّ المهيب، تستفرد بالرَّفِّ السفليّ الذي يناسب حجمها، فقد كانت قواميس تلك الأيَّام ذات أحجام ضخمة، كلُّ مجلَّدٍ منها مخصَّصٌ لحرفين أو ثلاثة أحرفٍ فحسب، مرسومةٍ على الغلاف بأحرفٍ لاتينيَّةٍ مذهَّبة، ويحتاج إلى ذراعين قويَّتين لحمله وإلى طاولةٍ لفرده.
كان للكلمة وزن، وللكتب هيبةٌ. بالرَّغم من شيخوختها وعمرها الذي يقارب القرن، ما زالت تلك المجلدات في مكتبتنا، فهي تضع بينك وبينها مسافة احترام، تمنعك من التَّخلُّص منها.
لا شكَّ في أنَّها كانت تعني لك الكثير، كي تحملها سنة 1947 من قسنطينة إلى تونس على حساب ضروريَّاتك، في رحلة منفاك الاختياريِّ، هربًا من ملاحقات السُّلطات الفرنسيَّة، ثمَّ تعود بها سنة 1962 غداة الاستقلال من تونس إلى العاصمة. كان مجرَّد اجتياز الحدود آنذاك مغامرةً كبرى، أمَّا نقل مجلَّداتٍ وقواميس فكان ضربًا من الجنون.
حدث ذلك من قبل، في زمن الأمير عبد القادر، الذي كان منذ شبابه يسافر إلى الحجّ متبوعًا بقافلة محمَّلةٍ بمكتبته، ولا يقصد أرض المعركة إلّا مصحوبًا بكتبه، وحين أُرغم على الهجرة، حمل مكتبته بحرًا وبرًّا من الجزائر إلى فرنسا ومن فرنسا إلى الشَّام. أمَّا على أيَّامك، فما كان النَّاس يحملون في هروبهم سوى أرواحهم.
لا أدري كيف استطعتَ إقناع جدَّتي باستقبال ثمانية مجلَّداتٍ ما كان البيت ولا الظَّرف مهيَّأين لاستقبالها في زمن الأوبئة والمجاعة.

تأخَّرت أمّي في الاعتراف بموهبتنا، ككلّ الأمهات، كانت بدءًا تفضِّل لو كنّا طبيبات أو محاميات. إلى أن لقيتْ مرّة معاملةً خاصّةً من طبيبة، علمتْ من الاسم أنّها والدتي، فشعرت أنّ الكتابة لا تقلّ وجاهة عن الطبّ، ثمّ تميّزت أختي في مجالها، وعندما شاهدت أمّي نجاحها، استيقظتْ لديها رغبة دفينة في منافستها. حدث أن تغيّبتْ صوفيا لفترة طويلة، عادت فوجدت أمّي قد استلمت محترفها للسيراميك وأصبحت تتقن رسم المنمنمات وتلوينها وتزينها بالذّهب السائل ووضعها في الفرن الخاص، وأنجزت لوحات مذهلة في حرفيّتها وقّعتها بأحرف لاتينية باسمها!
في الواقع، كانت صوفيا قد حقّقت ما تمنّته أمّي التي كانت تهوى الرسم والديكور، أمّا أنا فحقّقت ما تمنّى أبي أن ينجزه في الأدب.

كانت أمي موهوبة في الرسم، تُجيد رسم المنمنمات، وقد رسمت بنفسها زخرفة المكتبة بقلم رصاص على ورق كبير شفاف، وعندما سافرت أختي صوفيا استلمت أمي مشغلها للسيراميك وأصبحت تنجز اللوحات وتوقعها.
قال سيدي عزّ الدّين لأمِّي غداة الإستقلال و نحن ندخل الجزائر في السيارة : «اخلعي الآن الحايك… إنْ دخلتِ به البيت لن تخلعيه أبدًا».
تردَّدت في خلع الحايك الحريريِّ الأبيض الذي كانت تلفُّ به نفسها منذ إقامتها في تونس لخمس عشرة سنة. ناقشته لبعض الوقت، ولكنَّه أقنعها حين ذكَّرها بأنَّ أختهما بديعةالتي حملت مثله السلاح ، عادت من الجبال سافرة
رأيتُ أمّي تنهض بعض الشَّيء عن مقعدها، وتسحب الحايك من تحتها، وتقوم بثنيه عدَّة مرَّات ووضعه في حجرها. كنا في ستينيات القرن الماضي .

كانت أمي تملك صبر النساء، قدرتهنَّ على الكتمان، كيدهنَّ واستمتاعهنَّ بالتقطيع إربًا إربًا.
هي خرِّيجة المطبخ، وأنت خرِّيج السُّجون. في كلِّ مرحلةٍ من حياتك وجدت نفسك مؤتمنًا على وثائق، على أسماء، على سرٍّ عليك أن تحميه، سرٍّ قد لا يكون في خطورة ما كنت تخفيه أيَّام الثَّورة ،و أحرقته قبل أن يداهم البوليس الفرنسيُّ البيت في قسنطينة، و يقتادك إلى حيث توقَّع أن تعترف بما تعرف.
منذ ذلك الحين صادقتَ النَّار، لحظةَ أدركت أنَّ الأوراق قد تطيح بالأعناق، أمَّا أمِّي فصادقت المقصَّ، مذ فصَّلت به جهاز عرسها، ثمَّ ثيابًا لنا، ثمَّ ثيابًا لغيرنا، يومَ ما عاد لنا من موردٍ سوى ماكينة خياطتها.

تأخّرتُ في معرفة أمي، اكتشفتها بعد رحيلها. تمنّيت لو أورثتني كبرياء صبرها، أناقة تفاصيلها، أنوثة أشيائها، حياء الحرير والدنتيل في خزانتها، حدسها الذي لا يخطئ في الحكم على البشر. لو استفدت من حكمة الأمثال القسنطينية التي تبرع في الاستشهاد بها، وكيف أدوزن مشاعري بالدقّة التي تدوزن بها مكوّنات صينية البقلاوة، التي تعدّها في الأعياد، فلا أزيدها عسلًا، ولا أنقص كمّية الجوز.
لو علّمتني إعادة تدوير الخيبات إلى أمل، كما تعيد تدوير الملابس لتمنحها حياة أخرى. أن أقطع العلاقات السامّة بحسم كما كانت تقطع الخيط بأسنانها. ألّا أطمئنّ للعلاقات الفضفاضة، وأفصّلها على قياس أصحابها، كما كانت بالطباشير تحددّ الأثواب التي تفصّلها. وكما كانت تحتفظ بقصاقيص الأقمشة، أن أتعلّم ألّا أفرّط في أي لحظة لأنّ الوقت قماش الحياة
أنتَ… لم تعلّمني شيئًا من كلّ هذا. هي نفسها كانت تردّد «كل ما تعلّمه أبوك انقلب عليه». وها قد انقلب عليّ ما علّمتني.
